الألوان ترتعد بشراهة ـــ د.نزار بريك هنيدي
|
الألوان ترتعد بشراهة ـــ د.نزار بريك هنيدي عندما قدّم لي كتابه (الألوان ترتعد بشراهة) الذي يتضمّن قصيدة واحدة تمتدّ على أكثر من ألف صفحة من القطع الصغير، كتب لي الشاعر شريف الشافعي في الإهداء: (هي علبة ألواني الموسيقية، دلَقتها- عن عمد- يدُ الطفل العابثة)، وقد صدر الكتاب ضمن السلسلة الأدبية التي يصدرها مركز الحضارة العربية في القاهرة، عام 1999، وجاء على الغلاف: قصيدة شعرية. وللحق، فإن ذلك الإهداء يصلح تماماً ليكون مدخلاً إلى هذا العمل، فهو يتضمّن جميع الخصائص الرئيسة التي ستقوم عليها بنية النص الذي بين أيدينا. بل لعله من المدهش أن نلاحظ كيف تجسّدُ كل كلمة من كلمات هذه العبارة الصغيرة التي كتبها الشافعي في إهدائه، أحد مقوّمات هذا النص، وتعبّر عن سمة من سماته، بحيث يمكن لهذه العبارة التي لاتتجاوز سطراً واحداً أن تختصر الكتاب الذي ينوف عن الألف من الصفحات، وذلك على نحو طريف ومدهش في الوقت نفسه. كما سنرى فيما يلي: أولاً: تتجلى الخصيصة الأولى من خصائص هذا النص، في كونه (علبة)- كما تقول الكلمة الأولى في الإهداء، فالنص علبة فعلاً لأنه يضمّ جميع أشكال الكتابة تقريباً، فهو يبدأ بمقطع طويل من (شعر التفعيلة): كائنات تذوب/ ويصطدم النجم في آخر امرأة بالوريدِ أقوم من الوردة الساحلية.. واليودِ كي: كائنات تعود ثمَّ يتحول النص مباشرة إلى شكل (قصيدة النثر)، فيقول: هنالك حيث يحلم صبيٌّ مكتحل العينين بأن يتفتت شرط أن تتفتت الحصوات المدببة في مرارته.. ثمّ يورد الشاعر في الهامش مقطعاً سرديّاً عادياً ينتهج نهج الحكاية الشعبية، بل إنه يبرع في محاكاة بنية الحكاية وأسلوبها، إلى درجة توهمك أنه يقصّ عليك فعلاً إحدى الحكايات التي تتناقلها شفاه أهل القرى و الأرياف: (ذات ليلة نزل رجل ريفي يرتدي جلباباً مهترئاً من على حماره، وصفع الصبي على قفاه ناهياً إياه عن معاودة الألعاب الخطرة. احتبست أنفاس الصبي تماماً واستند إلى العمود الذي خرجت أسلاكه (الخالية من الكهرباء) مثل أحشاء بطن مبقورة، وعندئذ تصادف مرور امرأة في الشارع الضيق، لها بعض ملامح أمه، أو هكذا تخيّلها، جعلت تداعبه، وتهدئ من روعه..). وما أن يعود الشاعر إلى شكل (قصيدة النثر) بضع صفحات، حتى يفاجئك بأبيات شعرية خليلية متكاملة مثل هذا البيت:
وليس مصدر المفاجأة هنا هو سرعة التنقل بين قصيدة النثر وشعر التفعيلة والبيت الخليلي، بل إن المفاجأة الحقيقية تكمن في قدرة الشاعر على تحميل البيت الكلاسيكي بالكثير من عوامل التوهج والدهشة، إلى درجة أزعم معها أنني أعجبت ببعض أبياته أكثر بكثير مما أعجب بالقصائد المطوّلة التي يدبجّها الشعراء التقليديون، خذ مثلاً هذين البيتين:
ثم لايلبث النص أن يلجأ إلى لغة السرد العادية فيقول مثلاً: (علم الأب أن الولد الأول سيعيش طويلاً، وسيرتقي سلم الرفعة تدريجيّاً.. وأن الولد الثاني سيكون له في –عمره القصير- شأن عظيمٌ، ومنزلة كبيرة بين الناس..) ويضمّن الكاتب نصّه عدداً من المقاطع التي يقلّد فيها الأساليب المتنوعة لكتابة القصة القصيرة، كما يلجأ إلى أسلوب الحوار المسرحي، في كثير من الأحيان، كما في هذا المقطع: =أحبّكَ.. -كم.؟ =كثيراً.. -كيف.؟ =في حذر.. -إذن سينام هذا الحب في ثلاجة الموتى =أراك مغالطاً.. -بل واقعياً! وليس ذلك فقط، بل إن شريف الشافعي الذي يبدو مصراً على توظيف كافة أشكال الكتابة المعروفة، يذهب خطوة أخرى شديدة الجرأة، حين يورد مشهداً كاملاً يلتهم أكثر من اثنتي عشرة صفحة، مكتوباً على الطريقة الخاصة بسيناريو الدراما التلفزيونية، ليس من خلال الحوار الذي اختار له اللهجة العامية المألوفة في المسلسلات، فقط، وليس من خلال تحديده لديكور المشهد وملابس الممثلين، وتعيينه شروط التصوير (داخلي/نهاري)، فحسب، بل من خلال إمعانه في تقليد الطريقة التي يقسم بها كتاب السيناريو الصفحة بحيث يجعلها عمودين: العمود الأيمن يتضمن الحوار بين الشخصيات، بينما يتضمن العمود الأيسر المؤثرات الصوتية والتعليمات المتعلقة بحركة الممثلين، بحيث توهمك الصفحة أنها مأخوذة فعلاً من سيناريو حقيقي. ولايفوت الشافعي أيضاً أن يضمن نصه مقاطع من سيرته الذاتية (لم أكن أطمئن، صدقيني، إلى زيت كبد الحوت، وأنا في العاشرة، إنما اضطررت إلى تناول جرعات مكثفة منه لإصابتي بالتهاب في الكبد..) أو أن يروي لنا عدداً من الأحلام التي راودته، وأحياناً يقلد أسلوب الحكم والأمثال الشعبية (حسن الظن مرحاض عمومي، إذا مادخل المرء إليه- استوطنت في ثوبه الأدران)، ويلجأ أحياناً أخرى إلى أسلوب الأساطير، فيخلق مدائن أسطورية مثل مدينة (يعطش)، وشخصيات ذات ملامح أسطورية (مثل: ورد، وبشرى، وكاميليا، وسلوى، وزين العابدين، وفاطمة، وغيرها) كما يقلد في كثير من الأحيان أسلوب النص القرآني: (فلا الشمس لها أن تسبق الزورق في السعي من الشرق إلى الغرب ولا الليل له أن يسبق الضوء الذي تأتي به سلوى) وهكذا نرى كيف جعل الشافعي من نصه (علبة) فعلاً تضم جميع أشكال الكتابة المعروفة، من البيت الشعري الكلاسيكي إلى شعر التفعيلة و قصيدة النثر وإلى فنون السرد المختلفة من السيرة والحكمة والحكاية والقصة القصيرة والأساطير والأحلام والحوار المسرحي والسيناريو التلفزيوني أو السينمائي، بحيث تختلط هذه الأشكال جميعها وتتشابك بالرغم من تقسيم النص إلى متون وهوامش، هذا التقسيم الذي لايقوم على أي أساس منطقي، إذ إن الهامش يمكن أن يكون متناً أحياناً، كما أن المتن نفسه يمكن أن يكون هامشاً في أحيان أخرى، لذلك يبدو هذا التقسيم لعبة أخرى من الألعاب التي تزيد من التداخل بين عناصر النص المختلفة، ومن ثم تزيد من غناه وتنوعه. ولابدّ لنا في هذا المجال أيضاً، من ملاحظة أن النصّ لاينبني على موضوع محدد، أوحالة معينة، بل يعرّج على جميع المواضيع والمواقف التي مرّت في حياة الشاعر، أو استوطنت ذاكرته من خلال المعارف التي كوّنت وعيه وثقافته، سواء كانت هذه المعارف أدبية أو تاريخية أو دينية أو علمية، كما أن النص لايتمحور حول رؤيا واحدة، إذ تتعدد الرؤى التي تنبثق عن مقاطعه المتعددة بحيث يمكن لها أن تصل إلى حد التناقض أحياناً، وليس ذلك فقط، بل يبدو الشاعر مصرّاً على إبراز صفة التنوّع في نصه حتى في شكل الكتابة الطباعية، لذلك فقد قسم نصّه إلى عدد كبير من المتون والهوامش ومساحات البياض، كما استخدم جميع الأشكال المختلفة للحروف الطباعية بأحجامها المتعددة، بحيث أصبح النص فعلاً (علبة) كبيرة تتكدَّس فيها كل تلك المحتويات. ثانياً: أما الخصيصة الثانية من الخصائص التي تقوم على أساسها بنية هذا النص، فيمكن لنا أن نستشفّها من عبارة (الألوان الموسيقية المدلوقة) التي وردت في جملة الإهداء التي سبق ذكرها، ففي هذه العبارة يتضح مدى شغف الشاعر بتماهي الأشياء بعضها ببعض، إلى درجة تمّحي معها الفروقات الموضوعية بين الموجودات، وتتداخل صفاتها، فتصبح الألوان موسيقا، وتكتسب الأنغام ألواناً مرئية، بل تنتقل الانطباعات البصرية اللونية التي اتحدت مع الانطباعات السمعية النغمية، من حالتها غير المتجسّدة إلى حالة جرمية حقيقية ذات طبيعة محددّة هي الطبيعة السائلة التي يمكن للشاعر أن يدلقها دلقاً، كما يدلق أي سائل آخر من سوائل الطبيعة، إلا أن الشافعي سرعان مايعلن تبرّمه من هذه الحالة السائلة لموسيقاه، وتوقه إلى استمرار طقس التحوّل فيقول في الصفحة 626 من الكتاب: (أترقب في قلق التحول الكيميائي الثاني لموسيقاي: من الحالة السائلة إلى الحالة الصلبة). ولابد هنا من التنويه إلى أن الأمر في نص (الشافعي) يتجاوز ماقال به (رامبو) والشعراء الرمزيون وماعُرِفَ في الدراسات الأدبية بمصطلح (تراسل الحواس)، فتراسل الحواس يعني نقل إدراك المادة من الحاسّة المتخصصة بها إلى حاسة أخرى، كأن ننقل إدراك اللون مثلاً من حاسة البصر إلى حاسة الذوق فنقول: تذوقت اللون، أو شممت الصوت، وما إلى ذلك، أو أن نضفي على الأشياء صفات جديدة لم تكن بها ويتم تحسسها بحواس لم نعتد أن نستخدمها في هذا الموضع، كأن نجعل للأزهار موسيقا، ولتغريد الطيور ألواناً، أما في نص (الألوان ترتعد بشراهة) فإن الشاعر يدفع باللعبة إلى أقصى حدٍ لها، حيث يتم تحرير جواهر الأشياء من طبائعها الثابتة، لتكتسب القدرة على التغير والتحول وإعادة التشكّل في أية حالة من الحالات. ويمكن للمرء أن يقف على مدلول هذا الكلام من خلال أية صفحة من صفحات الكتاب، بدءاً من العنوان نفسه (الألوان ترتعد بشراهة) حيث جعل الألوان من لحم ودم وأعصاب ترتعد، كما وصف ارتعادها بالشراهة، وهي صفة منتزعة من حقل دلالي آخر، كما أنه في مطلع النص جعل الكائنات تذوب، وجعل النجم يصطدم بالوريد، ووحّد ما بين طبيعة الفحم وطبيعة الدورة الدموية، وجعل منهما معطفين، كما ربط صوت الطواحين بخيط الطباشير الذي يعلقه في بطن أمه! وعندما يضحك أبوه لايجد مايعبر عن حالته إلا حالة انصهار الدهون في الثديين، أوعجين الفطائر، وإذا ماتذكرنا محور الاختيار الشهير الذي وصفه (رومان ياكوبسون) أدركنا أن جميع مفردات هذا المحور تصلح لأن يتناولها شريف الشافعي ويزج بها في أية جملة من جمل نصه غير عابئ أبداً بمعناها المعجمي الأصلي، وغير مكترث بالدور الذي ستلعبه في تلك الجملة، انظر مثلاً هذا المقطع: (جاء الغدير: على إصبع واحد وثمان وتسعين أنثى وجئت على ريشة لا يبللها غير ماء الحنين إلى أول الشيء جئت، وهذا الرخام تلبسني: فأصاب المثانة بالبرد، والقلب بالورد..) ولن أسوق المزيد من الأمثلة، لأن القارئ بإمكانه العودة إلى أية صفحة من صفحات الكتاب ويرى كيف جبل الشافعي الأشياء بعضها ببعض، وصهرها في بوتقة واحدة، بحيث أرجعها جميعها إلى جوهر واحد، وكأني بالشاعر يؤمن بأن المخلوقات على اختلافها، ماهي إلا تجليات متعددة لأصل واحد أزلي وأبدي، مما يقربه كثيراً من مذهب الشيخ الأكبر ابن عربي في وحدة الوجود. ثالثاً: أما الخصيصة الثالثة من خصائص هذا النص، فيمكن لنا أن نستخلصها من فعل (دلق) الوارد في الإهداء نفسه، فدلق المواد يعني رميها بطريقة عشوائية، وبالفعل، فإن الشاعر يبدو هنا وكأنه يقوم بدلق أحاسيسه ومشاعره وأحلامه ورؤاه، وتجاربه المختلفة مع الأشياء والكلمات والمعارف والنصوص، دون أي ناظم ينتظمها، أو ترتيب يجمعها. وبذلك يمكن لنا أن نتخيل الشاعر، وكأنه أراد أن يفرغ كل مافي داخله، مرة واحدة، على الورق، ليعطينا هذا النص، وليتركنا نتجول بحرية بين ألفاظه وإيقاعاته. نتوقف مرة أمام استعارة موحية، ونشهق مرة أمام صورة مدهشة، نغامر باكتشاف معنى عبارة أحياناً، ونخفق في فض بكارة مقطع كامل أحياناً أخرى، نسترجع ذكرى مدفونة في أعماق ذاكرتنا وقد أيقظتها شذرة نغمية، ونرسم وجوهاً لشخصيات أوحت بها إلينا حواريات مقتضبة غامضة. نعايش أحلاماً نتوهم أننا حلمنا بها ذات يوم، ونتخيل أماكن نعتقد أننا مرننا بها، وتجارب كما لو أننا خضناها، ومسرات كأننا نتذوقها من جديد، وأحزان كأننا لم نبارحها قط. كل ذلك دون ترتيب مسبق، ودون أي ناظم منطقي، لأن الشاعر تركنا وحدنا في متاهة، ولم يرسم لنا أياً من الإشارات التي من شأنها أن ترشدنا نحو الطريق الذي يتوجب علينا اتباعه للوصول إلى غاية معينة، أو لجعل تطوافنا مبرمجاً، بحيث تشكل كل مرحلة منه إضافة ذات معنى تضاف إلى ماسبق أن راكمناه، مما قد يساهم في تبديد بعض الغموض الذي يحيط بنا، أو في تنامي رؤيا معينة تتركب من مجموع الشذرات التي يتشكل منها النص، أو –على الأقل- نشعر معها بأننا نتوغل قدماً في مغامرتنا التذوقية. رابعاً: إلا أن هذه الحالة التي تم وضعنا فيها إزاء هذا النص، لم تأت بالمصادفة، ولم تكن نتيجة خلل ما، اعتور البنية الفنية، كما أنها ليست نتيجة لقصور أدوات الشاعر في التوصل، إذ إن كلمة –عن عمد- التي يصرح بها الشاعر في إهدائه المذكور، تؤكد القصدية الواعية التي اعتمدها الشاعر مسبقاً في بناء نصه وفقاً لهذا الشكل بالذات، فالقصدية، أو العمدية، هي الخصيصة الرابعة من خصائص نص الشافعي إذن. وهو لايخفي قصيدته تلك في نصه، بل يذكر القارئ بها بين الحين والآخر فيقول مثلاً: ومازلت أقص عليك القصص قصارا حتى لايعلق في ذهنك- منها شيء ففي هذا المقطع (الذي يتكرر كثيراً داخل النص) يؤكد الشاعر أنه لايتوخى من وراء مايكتبه التبشير برؤيا محددة، ولا الترويج لفكرة، ولا عرض تجربة للإفادة منها، ولا نسج حكاية للانتفاع بمغزاها. ولا يصنع بناء فنياً يثير المتعة أو البهجة، ولا يخلق عوالم من شأنها أن تطلق الخيال أو تحرض على التأمل.. إنه لايريد شيئاً من ذلك، بل هو يدلق فعلاً جميع مخبوءات عالمه الداخلي في هذه العلبة وهو يعرف أنه لن يعلق منها في ذهن المتلقي شيء. ويشير في مقطع آخر إلى أن مايقوله ليس سوى كلام خال من المعنى يدلقه من أباريق الطفولة: هنا: أباريق الطفولة نصف فارغة، ونصف مليئة.. بكلامي الخالي من المعنى/ وبالرغم من أن الشاعر يصف كلامه بأنه خال من المعنى، ويسميه (ثرثرة) أو (هذياناً) أيضاً، إلا أن هنالك مايمنح الشرعية لهذا الكلام، ومايجعل من الثرثرة (عنباً) ومن الهذيان (نبيذاً) على حد قوله: هنالك (أنت) منبعث من (أنت)، لكي تجعل الثرثرة عنباً والهذيان نبيذاً. إذن، فإن مايعطي قيمة ما لهذه الثرثرة، ومايبرز لهذا الهذيان، إنما هو (الصدق الفني) الذي يجعل الكلمات تنبعث من الذات لتشكّل معادلاً موضوعياً صادقاً لها، فالنص هو (أنت) لأنه منبعث منك، ويعبّر تماماً عنك، وفي هذه الحالة وحدها تشتعل الكلمات، وتخرج من مستنقع الثرثرة والهذيان، لتدخل ملكوت الشعر، أليس الشعر هو أن تخلق من الكلمات بنية فنية تعادل عالمك الداخلي الجيّاش بالعواطف والمشاعر، حتى ولو كانت هذه العواطف غامضة، وتلك المشاعر متناقضة، طالما أنك صادق في نقلها، وماهر في بثّها من خلال جمرة الإبداع المتوهجة.؟ خامساً: أما الخصيصة الخامسة فيمكن لنا أن نستخلصها من الوصف الذي أطلقه الشاعر على يده التي دلقت علبة ألوانه الموسيقية، بأنها (يد الطفل العابثة)، ففي هذا الوصف يصرّح الشافعي بمذهبه الفني، وبموقفه من الحياة والوجود. فالفن بالنسبة إليه ليس سوى لعبة نعبث من خلالها بموجودات العالم، لا عبث اللهو الفارغ، وإنما العبث الذي يكشف الحقيقة أو الذي يتطلع إلى اكتشافها، إذ إن الطفل هو رمز الكشف عن الحقيقة الأصلية بما يمتلكه من بصيرة صافية لم يعلق بها بعد الغَبَشُ الذي يزيّف الرؤية والرؤيا، (هل تتذكرون ملابس الامبراطور؟) لذلك فإن يد الطفل العابثة هي القادرة على زعزعة الركود، وإزاحة الركام، وتحرير الحقيقة من أغلال مصالح المتسلطين، وأكاذيب المنتفعين، وفلسفات التبرير والتضليل. إن الفن والشعر هو طريق الحقيقة، أما كتب الفلسفة فلن نحصد منها غير الدخان، كما يقول الشاعر: كان صديقي كتاب فلسفة، صار صديقي دخان غليون/ ولكن الأخطر من ذلك، أن الحياة –في ظل هذا الخراب الذي ينشره طغيان النزعة المادية الاستهلاكية، وتهميش الروح، وإقصاء قيم الحق والخير والجمال- تبدو هي نفسها عبثية بلا معنى، أو بلا جدوى. مامعنى كل ذلك في زمن يسد الآفاق أمام أية رغبة في المقاومة، وأي تطلع نحو التغيير، ويطفئ أية بارقة يمكن لها أن تبعث الأمل في النفوس، زمن سيطر فيه على العالم قطب واحد، يتحكم فيه، كما يتحكم المايسترو بحركات أعضاء فرقته، وتشوهت فيه جميع القيم وتهافتت فيه كل الشعارات، فاختلط الكفاح الأحمر بالبارود الملوث، واختلط النضال الأخضر بطنين الأجنحة القذرة: مامعنى: أن يختلط الكفاح الأحمر بالبارود الملوث.. في خريطة واحدة يعرضها أساتذة الجامعة على طلابهم؟! مامعنى أن يختلط النضال الأخضر بطنين الأجنحة القذرة.. في نوتة موسيقية واحدة يوزع المايسترو عدة نسخ منها على أعضاء فرقته؟! في زمن كهذا، يغدو من الطبيعي أن يشعر الإنسان بالغربة، وأن يعتقد أن غربته هذه هي قدر أزلي وأبدي مفروض عليه منذ (لا بداية) الزمن، إلى (لا نهايته): أشعر أنني غريب كنملة فوق ظهر فيل، أو كفيل فوق ظهر صحراء عملاقة تمشي على أربع.. من (لا بداية) الزمن إلى (لا نهايته). ويؤكد الشاعر في مقطع آخر، أن غربته تلك ليست مجرد شعور مرضي ينتابه بين الحين والآخر، فالعالم الموحش الذي يصوغه اليوم أرباب رأس المال العالمي، يستلب جوهر الإنسان، بحيث ينفيه عن الوجود الحقيقي، ويحوله إلى دمية مجردة. ألا أن الشافعي، بالرغم من كل هذه السوداوية التي يراها في الواقع، وبالرغم من كل هذه العبثية التي تتمظهر فيها سيرورة العالم، لايعدم برهة صفاء تنتابه، فيرى من خلالها المشهد على حقيقته، ويدرك أن هذا الخراب سببه أعداء الإنسان الذين يستأثرون بالهواء الطلق، ويزجون بالفقراء والشعراء والعشاق في زنزانة الخيبة والحقد. وأراني هنا مضطراً إلى توضيح مسألة قد تلتبس على القارئ بعض الشيء، إذن إن ترتيب المقبوسات التي سقتها في هذه الفقرة، قد يوحي أن الشاعر يريد أن يبث رسالة محددة، يفتتحها بإعلانه السخط على الواقع الراهن الذي ينيخ بكلكله على الإنسان المعاصر، فيسلبه جوهره، ويهشم روحه، ويجعله يكابد الشعور بالاغتراب، ويحيله إلى مجرد دمية يحركها الآخرون، ويضمنها تشخيصه لهذه الحالة بإرجاعها إلى سيطرة أرباب رأس المال، وقمع المتسلطين، وهيمنة سدنة القطب الواحد، ويختتمها بالدعوة إلى التمرد، والتبشير بعالم جديد لايتوجه سوى الحب وحده.. إلا أن المسألة ليست بهذه البساطة، فالمقاطع السابقة لم تأت متتالية، أو منتظمة في سياق واحد، وإنما بعثرها الشاعر، كما بعثر غيرها، من مكونات علبته التي دلقها دلقاً على صفحات كتابه، بحيث أصبح حال القارئ الذي يبحث عنها، ليعيد تركيبها، يشبه حال من يبحث عن قطع لعبة (الليدو) في ركام من الأشياء التي حطمتها (يد الطفل العابثة). وأخيراً: بقي علي أن أسجل ملاحظتين اثنتين، تتعلق الأولى منهما بإصرار الشاعر على تحديد جنس عمله هذا بـ (قصيدة شعرية) كما جاء على الغلاف، وأعتقد أننا لايمكن أن نبرر هذه التسمية إلا إذا اعتمدنا الرأي القائل باشتقاق كلمة (قصيدة) من (القصد)، بمعنى أن الشاعر تقصد أن يكتب عمله وفق هذا الشكل الذي تختلط فيه أشكال الكتابة الشعرية والنثرية جميعها. وأنا أعتبر أن التسمية الأكثر ملائمة لهذا العمل هي تسميته بـ (النص)، وفي هذه الحالة يمكن أن نضيف صفة الشعرية فنقول إنه نص شعري، أما إضافة صفة (شعرية) إلى (قصيدة) كما هو وارد على الغلاف، فأعتقد أنه لا يوجد مايبرره على الإطلاق. أما الملاحظة الثانية فتتعلق بالنازع التجريبي الذي دفع بالشاعر إلى كتابة نصه على هذا الشكل، فمما لاشك فيه أن شريف الشافعي قد خاض في هذا العمل تجربة إبداعية متميزة، بالرغم من أننا قد عرفنا في أدبنا العربي الحديث عدداً من التجارب المشابهة التي تقوم على كتابة نص مطول يقدم فيه الشاعر جماع رؤيته العامة للحياة والوجود. وعلى رأس هذه التجارب كتاب أدونيس (مفرد بصيغة الجمع)، وللحق، فإن المرء لابد له من أن يلاحظ أن نص أدونيس يتضمن العنصر الرئيس الذي يفتقد إليه نص الشافعي، وهو عنصر الترابط والانسجام الذي يجعل من النص وحدة متكاملة تهييء للقارئ مناخاً يؤهله لالتقاط مقومات الرؤيا الجمالية والحسية والفكرية المبثوثة بين ثنايا النص. أما عند الشافعي فيبدو النص مركباً من مجموعة غير متجانسة من النصوص الصغيرة التي ألصقها الشاعر ببعضها لصقاً، أو دلقها دلقاً، بالرغم من تنافر مناخاتها أحياناً مما يشي بأنها كتبت أصلاً في فترات زمنية متباعدة. بل ربما كان بعضها مشروعاً لنص مستقل أضافه الشاعر فيما بعد إلى عمله هذا. ومما يندرج في هذا المجال أيضاً مايلاحظه المرء من إصرار الشاعر المسبق على أن يتجاوز نصه الألف من الصفحات، مما أجبره على التكرار غير المبرر في أحيان كثيرة، وكذلك على نشر مساحات البياض بشكل غير مقنع في العديد من صفحات الكتاب. ومهما يكن من أمر، فإن نص (الألوان ترتعد بشراهة) يبقى تجربة شعرية متميزة وجديرة بالقراءة والاحتفاء، لاسيما أن النص حقق ما أراده صاحبه فكان فعلاً (علبة ألوان موسيقية دلقتها، عن عمد، يد الطفل العابثة).! |
||||||||||||||||||||||||||||||