|
|
|
| |
|
|
مرايا للالتقاء والارتقاء بين الأدبين العربي والفارسي ـــ أ.د.حسين جمعة - دراسة ـ
|
|
|
|
|
|
|
|
| |
|
الفصل الأول من القواسم المشتركة بين الأدبين العربي والفارسي: 1 ـ حدود وأبعاد ومنهج: |
الفصل الأول من القواسم المشتركة بين الأدبين العربي والفارسي: 1 ـ حدود وأبعاد ومنهج:
لم يعرف التاريخ الإنساني التقاء أكثر غنىً وشمولاً من التقاء العرب والإيرانيين على مستويات عديدة سياسية واجتماعية؛ فكرية وثقافية؛ فلسفية ودينية، أدبية وفنية، لغوية وبلاغية.
وترجع علاقة التفاعل الوطيدة إلى عصور تاريخية مغرقة في القدم تجسّدت في الحياة والفن والأدب... إذ تجلى في الأدبين العربي والفارسي مفاهيم التصور الديني والفلسفي الممزوجة ببحر العزة والعظمة الإلهية؛ والموشاة بكل المودة والمحبة على الصعيد الاجتماعي. فقد برزت أشكال التمازج الحضاري منذ البعثة المحمدية لتؤكد مفهوم الوصول ((إلى المساواة بين الشعوب على السلطة القائمة، وعلى الثقافة العربية الإسلامية))([1]) من خلال علاقة الرحمة والتقوى والعدل لا من خلال العرق والجنس واللون؛ فصَحَّ أن نطلق على العلاقة القائمة بين العرب والإيرانيين ما قاله السيد المسيح u: ما جمعه الله لا يفرقه البشر.
وليس هذا غريباً ولا بدعاً من القول فقد تأسس ذلك في النفوس كما لدى البحتري إذ قال في مدح عبيد الله بن خرداذبة([2]):
إنْ كان من فارسٍ في بيتِ سُؤْدَدِها
وكنتُ من طِيِّئٍ في البيت ذي الحَسَبِ
فلم يَضْرِنا تنائي المَنْصِبَيْن وقد
رُحْنا نَسيبين في خُلْق وفي أَدبِ
فالقواسم المشتركة بين الأدبين العربي والفارسي انبثقت من التمازج المشترك بين الشعبين منذ العصور التاريخية ثم ازدادت إحكاماً وارتقاء حضارياً بعد الإسلام، إذ دخل أبناء إيران فيه طوعاً ورغبة؛ وانصهروا في بوتقة تعاليمه ومبادئه وعملوا ومازالوا يعملون على نشرها...
ولما كانت العربية لغة القرآن وأهل الدين الجديد الذي اعتنقوه أقبلوا على تعلمها وإتقانها كأهلها. وقد تضافر إلى هذا رغبة علمية جامحة وملحة في خدمة الحضارة الإسلامية؛ فصار كثير منهم يتقن اللسانين حديثاً وكتابة.
ومن ثم أخذوا ينقلون باللغة العربية كثيراً من معارفهم القديمة المكتوبة بلغاتها الأصلية، في التاريخ والفن والطب والكيمياء والفلك واللغة والحساب والأدب؛ وقد شاركهم في هذا عدد من علماء العرب والبلدان المفتوحة الأخرى.
ولمّا كانت القواسم المشتركة بين الأدبين العربي والفارسي تزداد اتساعاً وتنوعاً كانت تتخذ لنفسها أنماطاً عدّة عبّرت عنها المصادر التي استندت إليها؛ بمثل ما تركزت في الترجمة والتأليف الأدبي والبلاغي؛ ومن ثم وجدت بأشكال وموضوعات محددة في كليهما...
وبناء على ذلك كله كان لزاماً علينا أن نلجأ إلى مبدأ الاختيار والإيجاز والتكثيف في معالجة القواسم المشتركة التي يقوم عليها البحث؛ لأن الحديث عنها كلها يحتاج إلى مجلدات كثيرة، مع العلم أن بعض الدارسين قبلنا سبقنا إلى ذكر نتف منها كما نلمسه عند محمد غنيمي هلال الذي اتكأ عليه كل من جاء بعده.
ولما كان ذلك كذلك آثرنا أن نشير إلى أهم مصدر أدى إلى ذلك؛ وهو القرآن الكريم؛ وإلى قصة واحدة من قصصه؛ مع إيماننا اليقيني بأن هناك مصادر أخرى لتلك القواسم كالسنة المطهرة، والأحداث التاريخية والاجتماعية، والكتب الدينية والفلسفية والتاريخية، مثل كتاب الشاهنامه للفردوسي الطوسي، وتاريخ الطبري، وتاريخ ابن الأثير؛ وكتب أدب الرحلات، وأدب التصوف الذي تصدره من الإيرانيين كلٌّ من الغَزَّالي وجلال الدين الرومي.
ولعل هذا ينقلنا إلى حركة الترجمة وأثرها في إطلاق تفاعل أدبي بين العرب والإيرانيين لا يضاهيه في عناصر الالتقاء ما نجده عند غيرهما، كما وقع في كتاب (كليلة ودمنة ورباعيات الخيام والمقامات) ـ مثلاً ـ ولهذا عقد ابن خلدون في مقدمته فصلاً عن ((حملة العلم في الإسلام)) فوجد أكثرهم من الإيرانيين([3]).
ومن هنا نتوقف عند القواسم المشتركة اللغوية والفنية في الأدبين كالألفاظ والمصطلحات والأساليب والاقتباس الحرفي والأوزان والقافية والقصة. فكلها مثّلت ملامح مشتركة في الأدب العربي والإيراني. وهي الملامح التي تحققت في موضوعات تعاور عليها الأدبان؛ وكيف تغيّرت وظائفها في بعض الاتجاهات الأدبية، كما نجده في قصص الحب العذري؛ ولا سيما حكاية ليلى والمجنون، وموضوع وصف الأطلال والممالك الزائلة.
فعظمة المادة وتنوعها لم يتركا لنا المجال إلا أن نتبنى المنهج الذي أشرنا إليه؛ وسنتوقف عند القرآن الكريم؛ بوصفه أعظم مصدر التقى عليه المسلمون، وعند واحدة من قصصه؛ وهي قصة المعراج.
([1]) العلاقات العربية الإيرانية: الاتجاهات الراهنة وآفاق المستقبل 113.
([2]) ديوان البحتري 1/146.
([3]) انظر مقدمة ابن خلدون 451 – 453.
|
|
|
| |
|
|
|