أدب الطفل المسرح روايات القصة الشعر دراسات صفحة الكتاب دليل الأعضاء أخبار الاتحاد الرئيسية

إتصل بنا | أضفنا للمفضلة | إجعل الموقع صفحتك الإفتراضية | خريطة الموقع

  جائزة نبيل طعمة للإبداع دورة (د. شكيب الجابري)     اتحاد الكتاب العرب يوقف العمل باتفاقية التعاون مع الجمعية الدولية للمترجمين واللغوين العرب     الرجاء من كافة الراغبين بإرسال المواد للدوريات في اتحاد الكتاب العرب بإرسالها باسم اتحاد الكتاب و ليس بأي اسم آخر ( شخصي , اسم المجلة)  
الأخبار | الكتب | المجلات
الدكتور شاكر الفحَّام ـــ مجموعة باحثين - أدباء مُكّرمون
الكاتب المسرحي وليد فاضل ـــ مجموعة باحثين - أدباء مُكّرمون ـ
الشاعر محمد حمدان ـــ مجموعة باحثين - أدباء مُكّرمون ـ
الشاعر جلال قضيماتي ـــ مجموعة باحثين - أدباء مُكّرمون
سعد الله الجابري وحوار مع التاريخ (أوراق مضيئة) ـــ رياض الجابري
الاقتصاد السياسي الفساد ـ الإصلاح ـ التنمية ـــ د.منير الحمش - دراسة

   
مرايا للالتقاء والارتقاء بين الأدبين العربي والفارسي ـــ أ.د.حسين جمعة - دراسة ـ
طباعة

2 ـ القرآن الكريم:



2 ـ القرآن الكريم:

أكدت مبادئ الدين الحنيف العودة الأصيلة والنبيلة إلى الهوية الإنسانية دون تشويه للذات الفردية والانتماء الاجتماعي والبيئي والوطني. وهذا حمل الناس ـ قديماً وحديثاً ـ على اعتناق الإسلام؛ لأنه يتفق مع الفطرة والعقل معاً؛ ثم ارتبطوا بحبل الله المتين، وطفقوا يبنون الحضارة الإسلامية التي تنشد التقدم والحق والعدل...‏

وقد جسَّد القرآن الكريم شكلاً ومضموناً قواسم مشتركة عظمى بين المسلمين ليس من جهة العقيدة والعبادة والتبرك فقط، بل من جهة أنه كتاب معجز في أساليبه وأفكاره وأخباره وقصصه. وهذا ما جعلهم ينصهرون في آياته ولغته يقبسون منهما ما وسعهم الجهد؛ أو يضمّنون أفكارهم العديد من أفكاره؛ أو ينتهجون طرائقه في التأليف والكتابة والإبداع...‏

ولما كان مقام الاحتذاء بالنص القرآني عظيم الحجم وكثير التنوع رغبنا في الوقوف عند قصة المعراج النبوي التي احتفل بها الأدبان العربي والفارسي، وجعلاها ((منطلقاً إلى فضاء الفكر الأرحب؛ حيث تعالج مسائل فلسفية أو صوفية أو أدبية أو وطنية))(1)؛ فكانت توظف توظيفاً مجازياً يؤدي الغرض الذي يرمون إليه. وهذا لا يعني أن الأدب العربي والفارسي لم يحفل بغيرها، ولاسيما قصة يوسف عليه السلام وزليخا التي شاع أمرها في الأدب الفارسي(2).‏

وتتلخص قصة المعراج بأن النبي الكريم عرج إلى السموات السبع يصحبه جبريل عليه السلام هادياً ومرشداً. وقد رأى(صلى الله عليه وسلم) في السماء الأولى (آدم) وفي الثانية (يحيى وعيسى) وفي الثالثة (يوسف) وفي الرابعة (إدريس) وفي الخامسة (هارون) وفي السادسة (موسى) وفي السابعة (إبراهيم) ـ عليهم صلوات الله أجمعين ـ. وكان(صلى الله عليه وسلم) قد رأى في كل سماء أشياء تأسس في ضوئها جملة من الأوامر والنواهي. ومن ثم انتهت رحلة المعراج إلى سِدْرة المنتهى وفق قوله تعالى: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى( (النجم الآية:18).‏

فالوقوف بين يدي الحضرة الإلهية كان المرحلة الأخيرة في قصة المعراج ثم العودة إلى الأرض وفق الأحاديث النبوية الشريفة التي سنعرض لاثنين منها في الفصل الثالث.‏

ولسنا الآن في صدد الحديث عن أول من تأثر بقصة المعراج وعمن تناولها وإنما في صدد إثبات أنها غدت مدار التقاء أدبي وفكري وفلسفي بين الأدبين العربي والفارسي، فكانت من أعظم القواسم المشتركة بينهما. فالأديب الإيراني فريد الدين العطار (545 – 627هـ / 1150- 1229م) ترجم في كتابه (تذكرة الأولياء) أول معراج صوفي لأبي يزيد البسطامي طيفور بن عيسى؛ الملقب بسلطان العارفين؛ (ت261هـ /874م). وقد كتبه البسطامي بالعربية في إطار رؤية منامية يتخيل فيها الطريق إلى الله. أما الشيخ الرئيس أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا (338 – 428هـ/ 949 – 1036م) فقد ألّف (رسالة الطير) ورأى أنه ((يطير مع الطيور وأن الطريق حافلٌ بالصيادين الذين تمكنوا من الإيقاع بالطيور فطارت الطيور وعبرت الكثير من الصعاب ومنها ثمانية جبال، وكان هدفها الوصول إلى المليك الذي يخلصها من الشباك))(3).‏

وتحظى الطيور بلقاء الملك ويخلصها من الشباك وتعود أدراجها...‏

وبهذا يلتقي ابن سينا مع البسطامي في الحديث عما يستوجب على السالك الصوفي أن يفعله في حياته ليصل إلى مقام المشاهدة والالتقاء بالحضرة الإلهية.‏

ومن هنا نشير إلى رسالة (التوابع والزوابع) لابن شُهَيد الأندلسي أبي عامر أحمد بن أبي مروان عبد الملك بن مروان (382 – 426هـ/ 992 – 1034م)... وفيها عقد رحلته إلى العالم الآخر وهو يرمي إلى مناضلة أنداده ومنافسيه من الأدباء والوزراء وأهل السياسة والانتقاص منهم ونقدهم وإظهار مناقبه. وفيها عرض لعدد من الشعراء وتوابعهم في وادي عبقر، فضلاً عن بعض الأدباء والنقاد كعبد الحميد الكاتب والجاحظ وبديع الزمان(4). وبهذا فهي رحلة إلى العالم الآخر، صاحب فيها أبو عامر هادياً لـه يتمتع بصفات خارقة.‏

وتتوافق رسالة التوابع والزوابع مع قصص المعراج ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري (363 – 449هـ/ 973- 1057م) بأنها رحلة معراجية إلى العالم الآخر، بعد أن اجتمع فيها اثنان، يرشد أحدهما الآخر ويبين لـه سبيل الحق. وبعد الوصول إلى مقام الشهود في قصص المعراج وإلى الجنة أو النار في رسالتي الغفران والتوابع والزوابع تنتهي الرحلة بالعودة إلى عالم الوجود.‏

فرسالة الغفران تجعل ابن القارح قائداً للرحلة، وإن كانت شخصية السارد (أبي العلاء) لا تغيب في كثير من الأحيان عنها. ويزور فيها الجنة والنار ويقابل الشعراء والأدباء والقرّاء والنحويين وغيرهم فيسأل أحدهم عن سبب دخوله النار أو دخوله الجنة، وبمَ غُفر له؟. ويشبهها في هذا البناء رحلة الموبد الزرادشتي (أرده فيراف) إلى الجحيم والأعراف والجنة، ولعل المعري تأثر بها(5)ـ إن كان يعرف الفارسية؛ وهو مستبعد ـ ويبقى الفرق بين رسالتي المعري وابن شهيد وقصص المعراج في الأدبين العربي والفارسي أنَّهما تعبير عن الذات بخلاف الأخرى التي تحقق للصوفي ما يصبو إليه من مشاهدة‏

أو اتحاد.‏

وإذا كانت قصص المعراج في الأدب الفارسي عديدة مثل (سِيَر العباد إلى المعاد) لسنائي الغزنوي (ت 545هـ/1150م) و(رسالة الطير) لحجة الإسلام زين العابدين أبي حامد محمد بن محمد الغَزَّالي (450 – 505هـ/1058 – 1111م) فإننا سنتوقف عند منظومة (منطق الطير) لكبير مشايخ التصوّف الفارسي فريد الدين العطار (545 – 627هـ/1150 – 1229م)؛ إذ عُدَّ ثالثاً فيه بعد جلال الدين الرومي وسنائي الغزنوي.‏

ومنظومة (منطق الطير) المبنية على المزدوج/ المثنوي في قالب شعري قصصي؛ تعد من أعظم الآثار في الأدب الصوفي خاصة؛ إذ بلغت نحو (4650 بيتاً) وكان قد نظمها سنة (583هـ/ 1187م)(6). ولعل فيما يدل عليه مصطلح المثنوي أنه بني على المقابلة الثنائية شكلاً ومعنى؛ في الإيمان والاعتقاد بالجنة والنار، والليل والنهار.‏

وليست مهمّة البحث عرض طبيعتها وماهيتها فقد انعقدت فُصول في كتب شتى لهذا الغرض؛ ولكن مهمته الأصلية إثبات أن فريد الدين العطار تأثر على نحو كبير برسالة الطير لكل من ابن سينا والغزالي، في الوقت الذي اتفق فيه مع رسالتي (الغفران والتوابع والزوابع) في منطلق الرحلة، وهو المنطلق الذي قامت عليه قصة المعراج النبوي في استصحاب هادٍ ومرشد.‏

وإذا كان ابن سينا قد عبَر جبالاً ثمانية لمقابلة الملك فإن الأودية والطرق عند الغزالي وسنائي والعطار سبعة، وهي ترمز إلى المقامات السبعة في التصوف، وطرقها.‏

وإذا كان سنائي الغزنوي قد اتفق مع ابن سينا والغزالي والعطار في تجاوز الطيور للأودية والجبال فإنه اتفق مع رسالة الغفران ورحلة المُوْبَد الزرادشتي في كونه رافق مرشده وهاديه في رحلته إلى الجنة والأعراف والنار.‏

وكان العطار قد نظم الرحلة على ألسنة طيور حقيقية كالهدهد والنَّهْس والصقر وغيرها؛ ولم يختر إلا طيراً خرافياً واحداً هو (السِّيْمُرغ) ورمز فيه إلى ملك قوي. وتعني (سي) ثلاثين و(مُرغ) الطائر، أي الثلاثين طائراً. وهو عند الإيرانيين بمنزلة العنقاء عند العرب. وهنا نثبت أن الغزالي استخدم العنقاء في (رسالة الطير) استخداماً رمزياً في الوقت الذي استعمل مصطلح (الطيور) للدلالة الرمزية على المتصوفة وطرقهم ومذاهبهم.‏

وما يعنينا ـ هنا ـ أن الأودية السبعة وهي أودية: الطلب والعشق والمعرفة والاستغناء والتوحيد والحَيْرة وأخيراً وادي الفقر والغناء كناية عن السموات السبع في قصة المعراج النبوي، على حين ترمز إلى المقامات السبعة عند أهل التصوف كمراحل لتصفية أرواحهم ليحظوا في نهاية المطاف بعد اجتياز الوادي السابع (الفقر والغناء) بالحَضْرة الإلهية؛ علماً أن الهُدْهُد يرمز إلى (جبريل) والسيمرغ يرمز إلى ملك قوي صابر يتجلى في المرآة عن توحده مع الله. فهو يمثل الطيور الثلاثين التي سلكت الأودية السبعة ووصلت إلى جبل (قاف) وحظيت بالوصول إلى الحضرة الإلهية.‏

وهذا يعني أن السالك من المتصوفة ـ الطيور ـ قد صمم على قطع الأودية؛ مهما كانت صعوبتها ووعورتها ـ لأن اليأس لا يتسرب إلى نفوس المؤمنين(7) ـ لينتهي به المطاف في مقام الشهود إلى التجلي والاتحاد...‏

أما منظومة (جاويد نامه) أي (رسالة الخلود) للفيلسوف الإسلامي الكبير محمد إقبال (1873 – 1938م) التي كتبها بالفارسية عام (1932م) فقد ترجمها إلى العربية المرحوم محمد السعيد جمال الدين. وفيها نرى جلال الدين الرومي هادياً ومرشداً لمحمد إقبال الذي تاقت نفسه للعروج والاتجاه إلى الله وحده بعد اجتياز الزمان والمكان من خلال أفلاك سبعة ليصل إلى جنة الفردوس... ويشكو إقبال "تشتت العالم الإسلامي لضعف في نفوس المسلمين، وبسبب مصائب الاستعمار والشيوعية" ثم يرى أن العالم الإسلامي أصيب بحالة موت ولن ينقذه منها إلا عالم القرآن الكريم(8).‏

وقد وقع التجلي الإلهي في معراج إقبال بعد انتهاء الرحلة إلى مقام الشهود عن طريق العشق الإلهي...‏

ومن بين القواسم المشتركة بين (رسالة الخلود) و(رسالة الغفرانِ) محاكمةُ الزنادقة، فإذا كان المعري قد حاكم بشاراً وأمثاله فإن محمد إقبال حاكم ثلاثة من الزنادقة حين وصل إلى فلك المشتري وهم المنصور الحلاج، والشاعر الهندي أسد الله غالب وشاعرة المذهب البابي في إيران قُرّة العين الطاهرة التي أُعدمت سنة (1852م) لاعتناقها هذا المذهب... أما التقاؤهما بالمعراج النبوي فتجسد بعدم الرضا بهذا العالم ولابد من التوجه أبداً إلى الذات الإلهية... وهي الفكرة التي يلتقي فيها الصوفي الكبير محيي الدين محمد بن علي بن محمد بن عربي (560 – 638هـ/ 1164 – 1240م)، ولا سيما في كتابه المعروف (الإسرا إلى مقام الأسرى). ويعد أحد الكتب في تزكية النفس، وفيه أفاد من قصة المعراج النبوي؛ بمثل ما أفاد منها عدد من أدباء الغرب كما نراه في (الكوميديا الإلهية) للشاعر الإيطالي دانتي (1265 – 1331م)، و(الفردوس المفقود) للشاعر الإنكليزي ملتون (1608 – 1674م)(9).‏

وفي ضوء ذلك كله ثبت لنا أن قصة المعراج النبوي أحدثت حركة أدبية عظيمة، وأثرت الخيال الخصب للشعراء والأدباء في الأدبين العربي والفارسي فكانت قاسماً مشتركاً عظيماً بينهما...‏

وهذا يجعلنا ننتقل إلى مظهر آخر من مظاهر العلاقة الوطيدة بين الأدبين يتمثل في الترجمة والتأليف.‏

(1) دراسات في الأدب المقارن 99 وانظر الظواهر المسرحية عند العرب 491 – 588.‏

(2) انظر مثلاً (يوسف وزليخا) لعبد الرحمن الجامي.‏

(3) انظر دراسات في الأدب المقارن 100 والظواهر المسرحية عند العرب 523.‏

(4) انظر رسالة التوابع والزوابع 72 – 74 والظواهر المسرحية 76، وما بعدها.‏

(5) انظر رسالة الغفران 129 و132 و139 – 141 والأدب المقارن 230 والظواهر المسرحية عند العرب 518 – 520 و525 وإبداع ونقد 135 – 136.‏

(6) انظر دراسات في الأدب المقارن 115 – 117.‏

(7) انظر دراسات في الأدب المقارن 143 – 150.‏

(8) انظر المرجع السابق 105 ومختارات من الشعر الفارسي 445.‏

(9) انظر الأدب المقارن 149 – 158 والأعلام 6/281 والظواهر المسرحية عند العرب 519- 521 و525 وانظر الإسرا إلى مقام الأسرى (رسائل ابن عربي 171- 235).‏

counter to blogspot
الرئيسية | من نحن | إتصل بنا | خريطة الموقع