|
|
|
| |
|
|
مرايا للالتقاء والارتقاء بين الأدبين العربي والفارسي ـــ أ.د.حسين جمعة - دراسة ـ
|
|
|
|
|
|
|
|
| |
|
3 ـ الترجمة والتأليف: |
3 ـ الترجمة والتأليف:
ليس المقصود في هذا المقام أن نتحدث عن الترجمة باعتبارها تعني نقل الكلام من لغة إلى أخرى؛ أو أن اللغة الأقوى تؤثر في الضعف... وإنما المقصود ما أنتجته الترجمة من تكوين قواسم مشتركة عديدة بين العرب والإيرانيين على الصعد الاجتماعية والسياسية والثقافية والأدبية... وقد حمل أعباء ذلك كل من أبناء الشعبين على السواء، فأكدوا عظمة التفاعل المتبادل بينهم وأتاحوا للأدباء والباحثين والشعراء الاطلاع على ثقافة الشعبين؛ فازدادت إبداعاتهم غنىً وارتقاء... وربما أحدثت بعض الكتب المترجمة حركة أدبية عظيمة الأشكال والأفكار والموضوعات والمؤلفات، علماً أن كثيراً من الأدباء والمؤرخين والفقهاء واللغويين صاروا من أصحاب اللسانين العربي والفارسي، ألفوا فيهما ونظموا الأشعار بمثل ما ترجموا منهما... فابن سينا ـ مثلاً ـ ألّف كتباً بالعربية منها (الشفاء والقانون والإشارات) وكتباً بالفارسية منها (دانشنامه علائي) وله شعر عربي كقصيدة (النفس) واثنتان وعشرون قطعة من الشعر الفارسي... وأبو الريحان البيروني كتب نسختين من كتابه (التفهيم لأوائل صناعة التنجيم) واحدة بالعربية والأخرى بالفارسية... أما الشاعر الصوفي الشهير سعدي الشيرازي (ت 691هـ/1291م) فله أشعار بالفارسية، وقصائد بالعربية منها قصيدته في رثاء بغداد على إثر تخريبها بيد المغول سنة (656هـ/1258م)(1).
وإذا كنا سنأتي على ذكر عدد آخر من الأشكال الأدبية المشتركة بين الأدبين العربي والفارسي فإننا سنشير ـ بإيجاز ـ إلى كتابين أحدثا حركة التقاء كبرى بينهما وهما كتاب (كليلة ودمنة) لعبد الله بن المقفع (106- 142هـ/724 – 759م) و(رباعيات الخيّام) لعمر الخيام، وكلاهما فارسي من أصحاب اللسانين.
أما (كليلة ودمنة) فهو أشهر الكتب التي ترجمها ابن المقفع سنة (133هـ/749م) وكان رأس المترجمين العشرة؛ فضلاً عن أنه ألّف في العربية عدداً من الكتب مثل (الأدب الصغير، والأدب الكبير، واليتيمة في الرسائل) كما ترجم من الفارسية عدداً آخر لم يصل إلينا منها شيء حتى الآن، ومنها (خُداي نامه في السِّير، وآيين نامه: القواعد والرسوم، والتاج في سيرة أنوشروان)(2).
ويعد كتاب (كليلة ودمنة) أحد الكتب التي قرَّبت ما بين الأدبين العربي والفارسي في الوقت الذي أحدث فيهما حركة فنية وفكرية... وكان ابن المقفع قد ترجمه عن الفارسية القديمة (الفهلوية) التي نقل إليها من اللغة الهندية؛ ولما ضاع الأصل الفارسي والهندي صارت الترجمة العربية أصلاً ولاسيما أن ابن المقفع أضاف إليها بعض الأبواب....، وأشهر من ترجمها بعد ذلك إلى الفارسية أبو المعاني نصر الله (سنة 539هـ/1144م) ثم تُرجمت غير مرّة إلى الفارسية وغيرها من اللغات العالمية(3).
وإذا كانت قصص مشهد الحيوان معروفة في الشعر الجاهلي فإن السرد القصصي لكليلة ودمنة يختلف كل الاختلاف عما هو في مشاهد الحيوان تلك، فضلاً عن أن ابن المقفع تصرّف في أسلوب السرد ومعانيه بما يتوافق والذوق العربي...
ومن ثم فإن كثيراً من الأدباء واللغويين أخذوا ينقلون منها حكايات وأمثالاً كما نجده في (عيون الأخبار) لابن قتيبة، أو يؤلفون على منوالها كما حُكي عن كتاب (القائف) للمعري الذي ما زال مفقوداً، وكتاب ابن الهبّارية في الشعر (الصادح والباغم) الذي طُبع مرات عدة، وغيرهما(4).
وإذا كان الدكتور طه حسين قد أعجب بجودة عبارات كليلة ودمنة، فإن كثيراً من الأدباء احتذوا حذو ابن المقفع في الكتابة والأساليب وغزارة المعاني، واقتباس الأمثال والحكم من أفواه البهائم والطير ومن ثم نسجها في أشكال شعرية ونثرية... فأبان بن عبد الحميد اللاحقي نظم كليلة ودمنة شعراً ـ ولكن منظومته ضاعت ـ ونظمها عدد آخر مثل سهل بن نوبخت عام (165هـ/781م)(5).
ولم تقتصر العلاقة بين الأدبين العربي والفارسي على الأدب القديم وإنما امتدت إلى الأدب الحديث. وكان أنوار سهيلي قد ترجم (كليلة ودمنة) إلى الفارسية، ومن ثم ترجمت إلى الفرنسية فتأثر بها لافونتين (1621- 1695م) وحاكاها، ثم تأثر الأدب العربي الحديث بها، إذ ترجمها من العرب المحدثين محمد عثمان جلال (ت1898م)؛ فقد ضمّ كتابه (العيون اليواقظ في الحكم والأمثال والمواعظ) كثيراً من حكاياتها وأفكارها...؛ واتسمت حكاياته بالإيجاز واستخدام بعض الألفاظ الأجنبية فضلاً عن تأثره بحكايات لافونتين... ومن أبرز التقاطع بين حكايات محمد عثمان جلال والشعر الفارسي أنه نظمها على فن المزدوج/ المثنوي عند الإيرانيين، وفي إطار وحدة القافية بين البيتين دون التزامها في القصيدة كلها كما في قصة (الثعلب مقطوع الذنب)(6).
وفي هذا المقام لا ننسى أن نشير إلى أمير الشعراء أحمد شوقي الذي كتب خمسين قطعة على لسان الحيوان تؤكد تأثره بحكايات (كليلة ودمنة) وأفكارها كقصيدته (الثعلب والديك)، ومنها تظاهرُ الثعلب بالتقوى والصلاح، وتخلّيه عن كل مكائده وفتكه بالطيور(7)... وإذا كانت الخرافات والأساطير إحدى نقاط الالتقاء بين العرب والإيرانيين فإن كليلة ودمنة جمعت هذا إلى جوانب أخرى.
وليس هناك كتاب يتفوق على (كليلة ودمنة) إلا رباعيات الخيام لأبي الفتح غياث الدين عمر بن إبراهيم الخيام النيسابوري (430- 526هـ/1038 – 1131م) التي نظمها بالفارسية، فضلاً عما قيل: إن لـه أشعاراً حسنة بالعربية والفارسية؛ وكذلك كتب بالعربية (مقالة في الجبر والمقابلة) و(رسالة في الوجود) وغيرها(8)؛ فهو أحد أصحاب اللسانين...
ولعل مقام البحث ومنهجه يتأبّى عن الإفاضة برباعيات الخيام وترجماتها؛ وما قيل في شأنها وشأن صاحبها، فقد تكفلت فيه دراسات شتى شرقاً وغرباً... ولكننا نشير إلى قيمة الرباعيات بالنظر إلى ما انتهت إليه من بناء علاقة كبرى بين الأدب الفارسي والأدب العربي ولاسيما الحديث.
وإذا كان كتاب (جَهار مقاله) للعروضي السمرقندي أقدم وثيقة تاريخية عُنيت بالخيام وفلسفته وطبّه وفلكه فإن صاحب حواشي ذلك الكتاب قد أثبت رباعية للخيّام، كما أثبت كتاب (فردوس التواريخ) رباعية أخرى(9)...
ثمّ وثّق المحققون لـه رباعيات راوحت بين (16 و56) وربما زاد عددها، فاشتهرت به كما اشتهر بها فأضيفت إليه (رباعيات الخيام) علماً أن فن الرباعيات معروف منذ أواخر القرن الثالث الهجري لدى الشعراء الإيرانيين، ونظم عليه ـ مثلاً ـ شهيد البلخي (ت325هـ) والرودكي السمرقندي (ت329هـ/940م) والدقيق الطوسي (ت368هـ/979م) وغيرهم(10).
ولعل التقاء الرباعيات بفنون عربية كالمشطرات والمربعات والمخمسات لم يكن عرضاً، علماً أنها نظمت على وزن الهزج وغيره... وإن تفردت عنها بتكرار المعاني وتفتيق الأفكار... أما التقاؤها بالأدب العربي الحديث فقد كان مقصوداً لذاته في عدد من القصائد؛ إذ أحدثت الرباعيات نشاطاً أدبياً عظيماً، في الوقت الذي دلّت على نزوع عقلي امتزج بحس مرهف، وبعاطفة شفافة في معالجتها للبحث عن سر الوجود: الحياة/ الموت.
ولهذا فإن ترجماتها العربية زادت على خمس عشرة ترجمة ـ منذ ترجمة وديع البستاني لها سنة (1912م) عن الترجمة الإنكليزية التي قام بها فيتزجيرالد عن الفارسية ـ سواء أكانت ترجمة شعرية أم نثرية؛ فضلاً عن دراسات كثيرة وأبحاث أكثر عدداً. وإذا كان البستاني قد أحال الرباعية إلى سباعية فإن ترجمته دفعت من يتقن الفارسية إلى ترجمتها عنها مباشرة كما دفعت الناس إلى تعلم الفارسية لينقلوا الرباعيات عنها كما حدث للشاعر أحمد رامي...
ولا مراء في أن ترجمة أحمد الصافي النّجفي تتميز بشفافية عالية سكب فيها روحه ورؤاه؛ فقرَّب الرباعيات إلى الذوق العربي، وما سبقه في هذا إلا أحمد رامي الذي كان يقع تحت تأثير أحزانٍ وهموم لفقده أحد ذويه حين ترجمها سنة (1924م)... دون أن ننسى صوت أم كلثوم الذي أشاع بين العامة عدداً من الرباعيات من ترجمة أحمد رامي(11).
ولا نرتاب لحظة واحدة في أن فلسفة الخيام في الرباعيات تتقاطع في بعض ملامح منها بما نجده عند الشاعر المعري؛ ولاسيما ما يدور حول مفهوم الوجود ودورة الحياة؛ فالإنسان من تراب وسيعود إليه(12)، أو حول مبدأ الشك واليقين(13)... ويبدو أن هذا كله امتد إلى شعر إيليا أبي ماضي ولا سيما قصيدته (الطلاسم) التي أنشدها بعد أن اطلع على ترجمة فيتزجيرالد للرباعيات، ومنها(14):
جئتُ لا أعلمُ من أين؛ ولكني أتيتُ ولقد أبصرتُ قدّامي طريقاً فمشيتُ
وسأبقى ماشياً إن شئتُ هذا أم أبيتُ كيف جئتُ؟ كيف أبصرتُ طريقي؟
لستُ أَدري.
ولما انطلق الخيام من المبدأ المادي بوصفه شرطاً لوجود العالم وهو بخلاف الموجود الأزلي القديم رأينا إيليا أبا ماضي يحذو حذوه في غير مكان من قصيدته السابقة(15).
ولم يقتصر الأمر على المعري وأبي ماضي بل امتد ـ أيضاً ـ إلى جماعة الديوان كعباس محمود العقاد (1889- 1984م) الذي بدأ أولى مقالاته عن الرباعيات سنة (1908م) وأتبعها بدراسات أخرى فضلاً عن معارضته إياها برباعيات أخرى؛ وعبد الرحمن شكري (1886- 1958م) الذي ترجم ثلاث رباعيات وكتب عنها؛ وإبراهيم عبد القادر المازني (1890- 1949م) الذي كان أكثر تأثراً بالرباعيات من صاحبيه، وردَّ عن الخيام تهمة النزعة الأبيقورية ونزعة التصوّف(16).
ولعل ما أرسته رباعيات الخيّام من قواسم مشتركة بين الأدبين العربي والفارسي فناً وأسلوباً؛ فكراً ونقداً يدفع بنا إلى إحياء مؤسسات مشتركة بين العرب والإيرانيين لترجمة آدابهما وتراثهما ومؤلفاتهما المختلفة في كل اتجاه...
ونكتفي بما أشرنا إليه دون أن ننسى عوامل الالتقاء الأخرى التي أدت إلى ازدياد التقارب بين العرب والإيرانيين، وتمازجهما في الحياة والفكر... ويعد الجاحظ (ت255هـ/868م) أحد الأدباء الذين مارسوا ذلك قولاً وفعلاً... فلما أهدى كتابه (الحيوان) إلى الوزير ابن الزيّات أهدى (البيان والتبيين) إلى قاضي القضاة ابن أبي دؤاد، وكتاب (الزرع والنخيل) إلى إبراهيم بن العباس الصولي...
ومن يقرأ كتابه (البخلاء) الذي قدمه إلى أحد الأعيان يجد تمازجاً حضارياً فكرياً واجتماعياً مدهشاً سيق بأسلوب أدبي طريف لكل من بخلاء العرب والفرس(17).
وفي نهاية هذا الاتجاه من الترجمة والتأليف لا يمكننا أن نغفل التنويه بفضل المقامات الأدبية التي نشأت عند العرب وأبدعها بديع الزمان الهمذاني (ت398هـ/1007م) وأبو محمد القاسم بن علي الحريري (446- 516هـ/1054- 1122م) ثم انتقلت إلى الأدب الفارسي على يد القاضي أبي بكر حميد الدين عمر بن محمود البلخي (ت559هـ/1163م). وقلَّد في مقاماته المقامات العربية أسلوباً ومادة؛ وإن ظهر فيها تأثير الروح الفارسية كالتفنن في الأساليب، وسميت بأسماء بعض مناطق فارس كالمقامة البلخية، والسجستانية، والأذربيجانية والجرجانية والأصفهانية وغيرها... دون أن ننسى أن مقامات الحريري تقاسمت الروح الفارسية في الموضوعات والأساليب مع المقامات الفارسية؛ علماً أن حميد الدين كان أكثر تأثراً بها... وقد عرض لذلك عدد من الدارسين والباحثين(18).
ولعل أهم ما فعلته المقامات من قواسم مشتركة بين الأدبين العربي والفارسي، ومن ثم في الحياة، أن استخدام الألفاظ العربية قد كثر على الألسنة، وشاع استعمال أنماط من التراكيب العربية الكاملة في سياق ما يستدعيه موضوع ما...
ونكتفي بما ذكرناه لننتقل منه إلى القواسم المشتركة في اللغة والأشكال الفنية وفي بعض الموضوعات الأدبية...
(1) انظر دراسات في الأدب المقارن 84- 86.
(2) انظر ابن المقفع بين حضارتين 65- 165 والظواهر المسرحية عند العرب 391 وما بعدها.
(3) انظر دراسات في الأدب المقارن 172 وما بعدها و194 وما بعدها والأدب المقارن 183- 187.
(4) انظر دراسات في الأدب المقارن 186- 192.
(5) انظر المرجع السابق 178 و187.
(6) انظر المرجع السابق 205- 207 والأدب المقارن 189- 193.
(7) انظر الشوقيات 4/150 والأدب المقارن 193- 195.
(8) انظر كشف اللثام عن رباعيات الخيام 9- 11 و27 و64- 65.
(9) انظر المرجع السابق 70- 87.
(10) انظر رباعيات الخيّام بين الأصل الفارسي والترجمة العربية 38 و41 و68 و124.
(11) انظر كل ما ورد أعلاه في المرجع السابق 67- 68 وما بعدهما و124 و295 وما بعدها.
(12) انظر المرجع السابق 143- 144 وشروح سقط الزند 974- 975.
(13) انظر مثلاً رباعيات الخيام بين الأصل الفارسي والترجمة العربية 318 ورباعيات عمر الخيام ـ ترجمة النجفي ـ 43 و77.
(14) إيليا أبو ماضي 193.
(15) انظر المرجع السابق 193 ورباعيات عمر الخيام ـ ترجمة عرار ـ 65.
(16) تأثر جماعة الديوان برباعيات الخيام 67 وما بعدها.
(17) انظر مقدمات كتب الجاحظ المذكورة في المتن؛ وفي مواضعها.
(18) انظر دراسات في الأدب المقارن 223 وما بعدها و247 وما بعدها، وتاريخ الأدب في إيران 2/ 439 وما بعدها والأدب المقارن 200 و261 والظواهر المسرحية عند العرب 437 وما بعدها وعُد إلى المقامات الأدبية للحريري؛ وشرح مقامات بديع الزمان الهمداني، وتأمل فيهما.
|
|
|
| |
|
|
|