أدب الطفل المسرح روايات القصة الشعر دراسات صفحة الكتاب دليل الأعضاء أخبار الاتحاد الرئيسية

إتصل بنا | أضفنا للمفضلة | إجعل الموقع صفحتك الإفتراضية | خريطة الموقع

  جائزة نبيل طعمة للإبداع دورة (د. شكيب الجابري)     اتحاد الكتاب العرب يوقف العمل باتفاقية التعاون مع الجمعية الدولية للمترجمين واللغوين العرب     الرجاء من كافة الراغبين بإرسال المواد للدوريات في اتحاد الكتاب العرب بإرسالها باسم اتحاد الكتاب و ليس بأي اسم آخر ( شخصي , اسم المجلة)  
الأخبار | الكتب | المجلات
الدكتور شاكر الفحَّام ـــ مجموعة باحثين - أدباء مُكّرمون
الكاتب المسرحي وليد فاضل ـــ مجموعة باحثين - أدباء مُكّرمون ـ
الشاعر محمد حمدان ـــ مجموعة باحثين - أدباء مُكّرمون ـ
الشاعر جلال قضيماتي ـــ مجموعة باحثين - أدباء مُكّرمون
سعد الله الجابري وحوار مع التاريخ (أوراق مضيئة) ـــ رياض الجابري
الاقتصاد السياسي الفساد ـ الإصلاح ـ التنمية ـــ د.منير الحمش - دراسة

   
مرايا للالتقاء والارتقاء بين الأدبين العربي والفارسي ـــ أ.د.حسين جمعة - دراسة ـ
طباعة

4 ـ القواسم اللغوية والفنية:

4 ـ القواسم اللغوية والفنية:

يعدُّ الالتقاء الحضاري اللغوي والبلاغي والأسلوبي والفني من أبرز وجوه التفاعل بين الأدبين العربي والفارسي منذ القديم؛ وذلك لعظمة التمازج التاريخي والاجتماعي بين الشعبين العربي والإيراني.

فمن منا ينسى استنجاد ملك اليمن سيف بن ذي يزن (ت 50 ق.هـ/572م) بكسرى أنوشروان (ت سنة 1 ق.هـ/621م) لطرد الأحباش، فأسرع إلى تلبية رغبته؟ وظل لهذه الحادثة التاريخية أصداؤها في الحياة والأدب؛ وممن أشار إليها البحتري (ت 284هـ/897م) في قوله([1]):

أَيّدوا مُلكنا وشدُّوا قواه







بكُمَاةِ تحت السَّنَوَّر حُمْسِ

وأعانوا على كتائب أَرْيا






طٍ بطَعْن على النحور ودَعْسِ

ومن ثم ما جمعت حادثة تاريخية بين الشعبين كتلك التي جرت أحداثها بعد الإسلام بمقتل سبط رسول الله(صلى الله عليه وسلم) الحسين بن علي عليه السلام في كربلاء، فألهبت عواطف الأدباء والشعراء فكانت مصدراً ثراً للأدبين.

ونكتفي بهذين المثالين لنثبت القواسم المشتركة في اللغة ألفاظاً ومصطلحات وتراكيب وصوراً... فكان أبناء العربية يتداولون الألفاظ الفارسية ويتعلمون لغتها، بمثل ما كان أبناء إيران يسعون منذ القديم إلى تقليد الحياة العربية؛ ويتعلمون لغتها ويقرضون أشعارها... وكلنا يذكر أن الملك الساساني بَهْرام كَور (جور) أرسله أبوه إلى الحِيْرة، ليقوم النعمان بن المنذر على تربيته وتعليمه العربية... وقد تم لـه ذلك؛ وقيل: إنه تجاوز تعلّم اللغة وقرض الشعر... وكذلك كان الشاعر عدي بن زيد وابنه زيد مترجمين لكسرى أنوشروان، وظهرت كثير من الألفاظ الفارسية في شعره وشعر غيره كطرفة بن العبد وأعشى بني قيس([2])....

وكان عدد من العرب قد سمَّوا أبناءهم وبناتهم بأسماء فارسية مثل (قابوس) بن النعمان بن المنذر، و(دختنوس) بنت لقيط بن زُرَارة، فضلاً عن تسمية بعض بطون قبائلهم بتلك الأسماء، كالأسْبذيين الذين ينتسبون إلى (أسْبذ). وهو لفظ مأخوذ من كلمة فارسية (أسب) وتعني (الفَرس) وذكر ذلك طرفة في قوله([3]):

خذوا حِذْركم أهل المُشَقَّر والصَّفا








عبيدَ اسْبَدٍ والقرضُ يُجْزى من القرضِ



وفي ضوء ذلك يمكننا أن نستدعي شاهداً واحداً من شعر الأعشى يؤكد عظمة دوران الألفاظ الفارسية على ألسنة الأدباء والناس في العصر الجاهلي؛ وهو قوله([4]):

لنا جَلَّسان عندها وبَنفسجٌ






وسيْسَنْبرٌ والمَرْزجوشُ مُنَمْنَما

وآسٌ وخِيريٌّ ومَرْوٌ وسوسن






إذا كان هِنْزَمَنْ ورحت مخَشَّما

وشاهَسْفِرم والياسمين ونرجسٌ






يُصبّحنا في كل دَجْن تَغَيَّما

ومُسْتقُ سينين ووَنٌّ وبَرْبَط






يجاوبه صَنْج إذا ما ترنَّما

فأصل (جَلّسان) في الفارسية: (كَلشن) و(بنفسج: بنفشه) و(سيسَنْبر: سيسنمر) و(مرزجوش: مرزن كَوشَ) و(شاهسفرم: شاه سبرغم) و(ياسمين: ياسمن) و(وَنّ: وَنكَث) و(بربط: بربت) و(صنج: جَنكث) على حين اتفقت العربية والفارسية بالألفاظ الأخرى (آس، خيري، سوسن؛ مستق).

ويبدو لي أن لفظ (ناهد) ـ وهو لفظ عربي، ومعناه الفتاة التي برز ثدياها ـ انتقل إلى الفارسية بالمعنى ذاته، وورد استعماله في كتاب (الأَفستا)؛ أما أستاذ اللغات القديمة في جامعة طهران (بَهرام فره وش) فذهب إلى العكس([5]).

ثم جاء الإسلام؛ فاستعمل القرآن الكريم عدداً من الألفاظ الفارسية المعربة مثل (سُنْدس واستبرق، ومَرْجان ومسك؛ وزنجبيل، وسِجِلّ وسُرَادق...).

ولما انتشرت اللغة العربية بانتشار الدين الجديد ازداد دوران الألفاظ العربية على الألسنة وصارت لغة الآداب الفارسية في كثير من العلوم والفنون وتغلغلت في كل مجال؛ ثم في كل كتاب فارسي... وهذا أكثر شهرة من أن يقف الباحث عنده؛ فلو تصفح أحدنا أي كتاب في الشعر أو غيره لتأكد لـه ذلك.. فضلاً عن أسماء الكتب؛ والعنوانات العربية، وعن وضع المعاجم اللغوية الفارسية على غرار المعاجم العربية. ولعل أقدم معجم فارسي هو (لغة الفرس) لعلي بن أحمد الأسدي الطوسي (ت 465هـ/1072م).

وامتد الأمر إلى المصطلحات اللغوية في الأدب والفن والعمارة والفقه والحديث وعلوم القرآن والفلسفة والتصوف... وهذا ميدان عريض لا يحدُّ، وهو ما يجعلنا ننتقل إلى استمرار استعارة العرب للألفاظ الفارسية من العامة والخاصة ولاسيما في العصر العباسي... وشاعت في الحياة والأدب كأسماء الأعياد والنرد وغيرها، كما نراه في شعر البحتري، ومنه قوله([6]):

يرمي فما يشوي ويقتل من رمَى






بِسهامِ لاهَدَفٍ ولا بُرْجاسِ

ويتردد في شعر البحتري ـ مثلاً ـ ألفاظ فارسية لأعلام وأماكن وجماعات وغير ذلك... ولم يقتصر الأمر على ذلك فهناك من أدخل في شعره ألفاظاً فارسية على سبيل التملّح كقول العماني للرشيد يمدحه([7]):

لمّا هوى بين غياض الأُسْدِ






وصار في كفِّ الهِزَبرْ الوَرْدِ




آلى يذوق الدَّهْرَ آبِ سَرْدِ







والتملُّح يكمن في لفظ (آب سَرْد)، وآب: يعني (الماء) وسَرْد: يعني (البارد).

ومن هنا ننتقل إلى بعض الأساليب اللغوية والبلاغية التي تبادلها الأدبان العربي والفارسي.. فقد كثر اقتباس القوالب اللغوية والأسماء بعينها؛ سواء كان ذلك في لغة القرآن والحديث أو لغة الأدب وعلوم اللغة وغيرها، فضلاً عن استبدال بعض المصطلحات بما يوازيها معنى ولفظاً، فالمزدوج هو المثنوي عند الفرس، والتجنيس المطلق يطلق عليه لدى البلاغيين الفرس (المتشابه)([8]). وعلوم البلاغة ومصطلحاتها وشواهدها عند العرب نجدها بدقائقها في كتاب (حدائق السحر في دقائق الشعر) لرشيد الدين البلخي ( الوطواط).... أما كتاب (أنوار البلاغة) لمحمد هادي بن محد صالح المازندراني ـ أحد علماء المسلمين في القرن الحادي عشر ـ فقد تأثر كثيراً بكتابي (المطول) و(المختصر) للتفتازاني([9]).

وأساليب البلاغة ومصطلحاتها التي تبادلها الأدباء والبلاغيون والنقاد كانت تشكل قاسماً مشتركاً كبيراً بين الأدبين؛ علماً أن الأدب الفارسي أفاد في هذا الشأن من الأدب العربي... فلن يبلغ الأديب شأواً بعيداً إذا لم يكن على دراية بها... ولم يقع الاختلاف إلا في أساليب قليلة؛ فلما فضّل الشعراء العرب صنعة (التصريع، والترصيع، والإيجاز والتكثيف) فضّل الشعراء الفرس صنعة (السؤال والجواب؛ وتفريع الأفكار) كما رآه الوطواط([10]).

وهذا يفرض علينا الإشارة السريعة إلى الأساليب الفنية الأدبية التي غدت قاسماً مشتركاً بين الأدبين... فلما شاع إنشاد الأشعار باللغتين العربية والفارسية أخذ الشعراء ينظمون الشعر مزاوجين بينهما؛ فإما أن يكون شطر لكل منهما وإما أن يكون بيت. وأطلق على هذا الصنيع (المُلَمَّعات) وهذا ما نجده عند الشاعر حافظ الشيرازي (ت 791 هـ/1388م)؛ إذ يستهلّ أشهر مُلمَّعة عند العرب والفرس بقوله من الهزج([11]):

ألا يا أيها الساقي






أَدر كاساً وناولها

كه عشق آسان نمود






أوّل ولى افتاد مشكلها

وترجمة البيت الفارسي: إن الحب سهل وممتنع في أوله ولكن متاعبه تكمن فيما بعد.. ومن يتأمل البيت الأول يستشف أنه متأثر فيه بأبيات ليزيد بن معاوية... فالاستشهاد بنصٍّ كامل لم يعد مقتصراً على القرآن والحديث بل انتقل إلى الشعر العربي، وهو ما عرف بالاقتباس اللفظي ويعرف اليوم في النقد الحديث بالتناص اللفظي... وهذه الظواهر من الاشتراك الأدبي "أشهر وأرحب من أن نمثل لها ببضعة أمثلة. ونكتفي بأن نقرر أنها تكثر في الأجناس الأدبية الفارسية والعربية المستحدثة"([12]). فالكتابات الديوانية والرسائل الديوانية والعلمية، والتوقيعات والتعليقات كلها انتقلت من بلاد فارس إلى العربية، وأفادت من أساليبهم الفنية فيها، ولاسيما العناية بالمقدمات والإطناب، والشرح في أنواع من الرسائل.. وغدا ذلك كله قاسماً عاماً في الأدبين العربي والفارسي ابتداءً من عهد عبد الملك بن مروان، وكان عبد الحميد الكاتب ـ الفارسي الأصل ـ تلميذاً بارعاً لسالم مولى هشام بن عبد الملك؛ فقدّم للأشكال الفنية والكتابية في الأدب العربي خدمات جُلَّى([13]).

أما ما يتعلق بوصف الخمر التي أولع بها أبو نواس وأمثاله في العصر العباسي فقد تطور كثيراً نتيجة التأثر بطبيعة حياة اللهو والأدب الفارسي([14])؛ على الرغم من أن العرب منذ القديم كانوا يتفننون في أوصافها كالأعشى.

ومن ثم فقد أخذت الخمر اتجاهاً جديداً دخل في باب التصوف الذي اشتهر به العرب والفرس على السواء... ودخلت ألفاظ الخمر في باب الرموز الصوفية ودرجاتها عند عدد من شعراء الطرفين، بل إن أبا نواس ارتقى في درجات عشقها ارتقاء المتصوفة في مقاماتهم.

ولعل فيما أشرنا إليه كفاية عن هذه الأنماط الفنية الأدبية لدى العرب والفرس التي شكلت عظمة الالتقاء فيما بينهم... بيد أن المرء لا يمكنه أن يهمل ما يتعلق بالأوزان والقافية، وهو حديثنا الأخير في القواسم الفنية المشتركة لننتقل بعدها إلى الموضوعات لنوجز القول فيها.

وقد تناول باحثون عديدون ما يتصل بالأوزان والقافية في الشعر؛ فرأوا أن الأدب الفارسي القديم لم يعرف إلا الملاحم التي نظمت على بحر المتقارب المزدوج/المثنوي ((وقد ظهر أول ما ظهر في الفارسية الحديثة بعد الفتح في شعر دقيق المتوفى عام (230 هـ/940م) الذي بدأ نظم (الشاهنامه) وفي شعره كثرت الرباعيات والمنظومات المثنوية من بحر الرمل والخفيف؛ كما بدأ نظم (كليلة ودمنة) ـ أيضاً ـ في مثنوي بحر الرمل))([15]).

ومن ثم نتبين أن الوزن لم يأخذ طريقه إلى الأدب الفارسي قبل القرن الثالث الهجري، ولا عرف القافية الواحدة، وإن وقعت في الشعر الفارسي الإسلامي في المزدوج والرباعيات، والقصيدة العادية... والمُلَمَّعات... وهذا يعني أن الأوزان والقافية انتقلت من الأدب العربي إلى الأدب الفارسي؛ وغدت قاسماً مشتركاً بينهما. ويقع (المتقارب) في الدرجة الأولى عند الشعراء الإيرانيين؛ ويليه الهزج والرمل والخفيف، على حين ندر استعمال بقية الأوزان؛ علماً أن الطويل والكامل والبسيط ثم الوافر والسريع والمتقارب أكثر شيوعاً في الأدب العربي من البحور السابقة...

ويظن الدكتور محمد غنيمي هلال أن الإيرانيين ربما عرفوا في العصور القديمة قبل الإسلام أوزاناً شعبية قريبة من الهزج أو من الرجز([16])؛ وهما بحران مستعملان بكثرة في الشعر العربي منذ القديم...

وليس هناك مراء في أن الأدب الفارسي أنتج فن (المثنوي) ذي القافية الواحدة بين مصراعي البيت الواحد دون باقي القصيدة؛ كما أبدع فن (الرباعي) المكون من أربع شطرات ذات قافية موحدة، وكل رباعية مستقلة بذاتها عما قبلها وبعدها... وإن كان العرب قد عرفوا المشطرات والمربعات والمُخَمّسات، ثم أبدعوا الموشحات ذات النهج الجديد في البناء والقافية، وهي التي أثرت في نشأة شعر التروبادور الأوربي. وما يشبه الموشحات إلا فن الزجل، وكلاهما فن شعبي([17]) يعالج موضوعات صوفية.

هكذا يسلمنا الحديث إلى سمة عالمية مشتركة بين آداب الأمم المختلفة بما فيها الأدب العربي والفارسي وهي سمة القصة والسرد؛ وإذا كان أول ظهور لها في النثر اليوناني القصصي، علماً أن هناك عناصر قصصية في ملاحم اليونان وبعض أشعار العرب القدماء وسير ملوك فارس وحكمائها فإن أول ظهور لها في النثر العربي والفارسي كان في العصر الحديث وقبلها ظهرت المسرحية والمقالة فنين جديدين... اللهم إذا استثنينا من ذلك قصص الفروسية والعشق، والسِّيَر الشعبية كسيرة عنترة وسيرة كسرى أنو شروان وأمثالهما؛ وقصة ألف ليلة وليلة، وحي بن يقظان...([18])

وبناء على ما تقدم كله يتضح لدينا بعض القواسم المشتركة اللغوية والفنية والأدبية والأسلوبية بين الأدبين العربي والفارسي... وهي تلزمنا بتكثيف الكلام على الموضوعات من جهة المضمون أو الفكرة...

([1]) ديوان البحتري 2/635.

([2]) انظر القيان والغناء و45 والشاهنامه 151 و153 و161 ومروج الذهب 1/161.

([3]) ديوان طرفة بن العبد 66 وانظر لسان العرب (أسبذ ـ دخدنس ـ قبس).

([4]) ديوان الأعشى 329.

([5]) انظر فرهنك وازهاي فارسي عربي إي ـ ص 3.

([6]) ديوان البحتري 2/638 والبُرْجاس: غرض في الهواء يُرْمي به.

([7]) انظر المعجم في معايير أشعار العجم 418 وترجمان البلاغة 11.

([8]) انظر المرجعين السابقين والصفحات نفسها، ثم انظر حدائق السحر 18 وما بعدها.

([9]) انظر الأدب المقارن 284 ـ 285.

([10]) انظر حدائق السحر 18.

([11]) ديوان حافظ الشيرازي 33.

([12]) انظر الأدب المقارن 284.

([13]) انظر تاريخ الترسل النثري 434 و438 ـ 441 و445.

([14]) انظر ديوان أبي نواس ـ (ف) وما بعدها، وانظر فيه باب الخمريات ـ الفهرس ـ 731 ـ 746.

([15]) انظر الأدب المقارن 269 ـ 270 وراجع فيه 265 ـ 268 ودراسات في الأدب المقارن 73.

([16]) انظر الأدب المقارن 267 ـ 268.

([17]) انظر الأدب المقارن 270 ـ 273.

([18]) انظر المرجع نفسه 201 ـ 203 و220 ـ 223 و 240 ـ 246

counter to blogspot
الرئيسية | من نحن | إتصل بنا | خريطة الموقع